مدن متطوره
هي أكثر من مجرد مدن حديثة ؛ بل هي مدن الأحلام؛ تعتمد على الطاقة النظيفة المتجددة أو على التكنولوجيا لإدارة شؤونها. خالية من الازدحام أو الأخطاء المرورية والعمرانية الموجودة حالياً نتيجة تخطيط المدن السابق. أما تكلفتها فمئات المليارات من الدولارات، يحلم بتنفيذها أصحاب الرؤى، وطبعاً الثروات.
تنشأ المدن الحديثة نتيجة موجات هائلة من التنمية والاستثمار وبتقديرات مالية كبيرة. يكون الهدف أحياناً تحسين نوعية حياة نخبتها، أو اجتذاب الاستثمار والسياحة، ولكن ما لا تنجح فيه الدول والحكومات في بعض الأحيان هو جعل الناس يحبون السكن فيها، فبعض هذه المدن ينفر الناس منها وتتحول إلى مدينة أشباح؛ لفشلها في تنفيذ وعود حلولها السحرية.
نستطلع في هذا التقرير بعض هذه المدن الجديدة التي ما زالت في طور الإنشاء، وأخرى انتهى مآلها عكس ما كان يحلم به مؤسسوها:
1- سونغ دو، كوريا الجنوبية: 40 مليار دولار لبناء عالم تكنولوجي خالٍ من السيارات
لأكثر من عقد من الزمان، كان المخططون المدنيون يدرسون بناء مدينة سونغ دو بكوريا الجنوبية، كأول مدينة ذكية في العالم. بنيت على بعد 25 ميلاً من مدينة سيول، عاصمة كوريا الجنوبية وأكبر حواضرها، والتي يقطن بها ما يقارب 10 ملايين نسمة.
كان بناء مدينة "سونغ دو" بمثابة السير عكس تيار رأس المال الخانق المكتظ بالسكان، فأراد بناة المدينة الجديدة ألا يتجاوز عدد سكانها 300 ألف نسمة، يتوزعون على نحو مساحة 6 ملايين متر مربع من الأراضي المستصلحة من البحر الأصفر.
كانت رؤية البناة تتمثل في بناء عالم خالٍ من السيارات مع مساحات خضراء شاسعة تبلغ 40% من المساحة المخصصة للمدينة، بالإضافة إلى عشرات الطرق الخاصة بالدراجات.
المدينة التي رُصد لها نحو 40 مليار دولار كان مقرراً أن تكون التكنولوجيا مُستخدمة في كل مكان بها، فلا توجد على سبيل المثال شاحنات قمامة؛ لأن القمامة تُنزل هوائياً من المنازل، وإعادة تدويرها تولد الكهرباء. كما أن الوحدات السكنية متطورة رقمياً، فهي مزودة بأجهزة كمبيوتر مدمجة للتحكم في تدفق حركة المرور، وتسمح للجيران بعقد محادثات مرئية بعضهم مع بعض عن بعد.
لكن الواقع اختلف بعض الشيء عمّا تخيله أصحاب الفكرة، لأكثر من عقد من الزمان منذ إنشاء مدينة "سونغ دو"، ولم يسكن بها سوى أقل من ربع عدد السكان المُقرر ( 70 ألفاً فقط).
لم تكن المدينة مُشجعة لا للسكان ولا لرجال الأعمال، أقل من 50 ماركة كبيرة غامرت بالعمل في المدينة غير المأهولة؛ لأن السكان لم يشعروا بالدفء والألفة بها. كما كان النقل العام مأساة كبيرة، فمن يريد أن يصل إلى العاصمة عليه أن يقطع رحلة شاقة عدّة ساعات.
2- بوتراجايا، ماليزيا: بعيداً عن المعوقات والزحام.. مركزية إدارية ومعمارية
بُنيت بوتراجايا في غربي شبه جزيرة ماليزيا، على بعد 25 كيلومتراً من جنوبي العاصمة كوالالمبور. كان مُقرراً لها أن تكون بمثابة المركز الإداري للبلاد، فقبل إنشاء بوتراجايا كانت المكاتب الحكومية الماليزية مُقامة في مواقع مختلفة من كوالالمبور، ومع تزايد الازدحام المروري بدأت المسافة بين المكاتب تعوق العمليات الإدارية، فقررت الحكومة إنشاء مدينة جديدة يمكن نقل المكاتب المتفرقة إليها وتجميعها بها لتُشكل مركزاً إدارياً أكثر كفاءة.
انتقل مكتب رئيس الوزراء إلى بوتراجايا عام 1999، في حين بقيت كوالالمبور عاصمة ماليزيا. وبدأت بوتراجايا في التوسع تدريجياً لتشمل المحكمة الفيدرالية والقصر الملكي الثاني، والعديد من المباني الإدارية الأخرى، وقد صُممت المباني في بوتراجايا لتكون مجموعة لافتة للنظر من الهندسة المعمارية الضخمة وسط المساحات الخضراء المُشذبة.
وتدير بوتراجايا هيئة اعتبارية تتحكم في تطويرها، وتضم المدينة بحيرة اصطناعية، والعديد من المناطق المُخصصة للمتنزهات والحدائق النباتية. كما افتتح مسجد بوترا على البحيرة بالقرب من مكتب رئيس الوزراء، وكان تصور بناة المدينة عنها أنها ستكون جزءاً حيّاً من عملية البحث والتطوير في مجال تكنولوجيا الاتصالات المتطورة.
يمكن الوصول إلى بوتراجايا من خلال العديد من خطوط السكك الحديدية والطرق السريعة، وهي على بُعد 20 كيلومتراً شمالاً من مطار كوالالمبور الدولي.
3- منطقة شيونغان الجديدة، الصين: الرؤى العملاقة نموذجاً للمستقبل
أعلِن عن مدينة شيونغان الجديدة كترجمة لرؤية الرئيس الصيني في إنشاء مدينة على قدر عالٍ من الجودة، وتكون مشروعاً حاسماً للألفية القادمة.
وُصفت المدينة بأنها حلم الرئيس الصيني في تحويل السهول المتربة إلى مدينة أحلام، يعالج فيها الأمراض الحضرية التي تصيب المدن الكبرى في الصين: مثل تلوث الهواء وندرة المياه والتمدد الحضري والازدحام الشديد.
وعن مساحة شيونغان الجديدة، فمن المتوقع أن تغطي مساحة تبلغ 100 كيلو متر مربع، ثم تنمو بشكل متزايد لتصبح عملاقاً يبلغ 2000 كيلو متر مربع، أي إنها يمكن أن تنافس في المساحة مدينة لندن الكبرى.
وفي حملة حديثة لحشد الدعم الدولي لمدينة شيونغان، قال وزير الخارجية الصيني إن المدينة ستكون نموذجاً للقرن المُقبل. وتعهدت الحكومة بأن سكان المدينة لن يتفوقوا في عددهم على الموارد المتاحة بالمدينة، وسوف تدار المدينة بواسطة الكهرباء النظيفة، التي لا تستثني استخدام الغاز الطبيعي.
كما أنه من المتوقع أن تأتي على الأقل نصف قوة طاقة المدينة من المصادر المتجددة، وتهدف الحكومة إلى تصميم المدينة كنموذج جديد للتخطيط الحضري والعمراني، كما ترغب في إنشاء مركز لصناعة التكنولوجيا المتقدمة والابتكار والتمويل المُستدام بالمدينة.
وتخطط لتحقيق الاستفادة القصوى من الاستثمارات بالمدينة والبالغة قيمتها تريليون يوان للبنية التحتية بالمدينة خلال 5 سنوات، وعلى مستوى الشارع من المُفترض أن تضم شيونغان مساحات خضراء كبيرة وشوارع أقل عدداً مقارنةً بشوارع بكين المزدحمة.
4- مدينة الدقم، عُمان: التنين الصيني يزحف نحو الخليج أيضاً
هي مدينة صناعية صينية عُمانية، أنشئت بهدف التطوير الحضري الذي تبلغ تكلفته نحو 10 مليارات دولار، على ساحل بحر العرب وعلى بعد 550 كيلو متراً جنوبي مسقط.
تبنى المدينة من خلال مجموعة من الشركات الصينية الخاصة، وتقوم هذه الشركات بالتمويل والتنفيذ على أرض الواقع لتحويل منطقة فارغة من الصحراء إلى منطقة مزدهرة وحضارية، وبجانب بناء المدينة هناك مجموعة من المشروعات الاستثمارية الأخرى مثل تحويل ميناء غير مُستغل إلى مشروع ضخم يتضمن مصفاة لتكرير النفط، ومصنعاً للميثان، بالإضافة إلى تصنيع معدات الطاقة الشمسية، ومصنع للسيارات.
ويتم هذا جنباً إلى جنب مع بناء منازل لنحو 25 ألف شخص، وتوفير الخدمات التعليمية والصحية لهم، وتوفير مراكز الترفيه التي يحتاجون لها.
وأعلنت اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح في الصين أن مشروع مدينة دقم هو أكبر مجمع صناعي في الخارج، ويُفسر البعض السبب وراء هذا الاستثمار الضخم بأن ما يقرب من 80% من صادرات النفط الخام العمانية تذهب مباشرة إلى الصين


تعليقات
إرسال تعليق